حسن الأمين

11

مستدركات أعيان الشيعة

وإذ رأى الخدم الثلاثة أنهم مقتولون لا محالة فقد تواطئوا على اغتياله ليلا بالسكاكين والخناجر . فلما أغفى دخلوا عليه وطعنه أحدهم ، وهو كرجي اسمه « صادق » . بالسكين فقتله . وكان أول من أطلعوه على هذه الواقعة « صادق خان شقاقي » . ولكنه لم يصدقهم في بادئ الأمر حتى احضروا إليه صندوقة من الجواهر دأب « آغا محمد خان » على حملها دائما معه ووضعها في فراشه حين ينام ، وسلموها إليه فصدقهم ، وأخذ الجواهر ، ولم يخبر أحدا بالواقعة ، وانطلق في الفور خارجا من « شيشه » إلى « سراب » مسقط رأسه ومحل سكناه ، وأخذ يعد العدة لمعاودة طلب العرش والخروج على « فتح علي شاه » خليفة « آغا محمد خان » . وأما الذنب الذي استوجب الحكم بقتل الخدم الثلاثة فقد قيلت فيه أقوال كثيرة مختلفة . منها أن مقدارا من ( الخربوز ) ( 1 ) كان مودعا في بيت السقاية من محل إقامته . وكان « آغا محمد خان » يعرف مقداره . وبناء على حسابه قرر أنه يكفي إلى مدة معينة . ولكن ( الخربوز ) نفد قبل استيفاء الوقت المعين . وثبت أن الشرابي مع اثنين آخرين من الخدم البيتيين هم الذين فرطوا به ، فحكم بقتلهم . ( 2 ) وذكروا في سبب قتله أقوالا أخرى منها أن أحد الخدم القاتلين ، وهو كرجي اسمه « صادق » اتفق أن أراق ماء على مسند « آقا محمد خان » فغضب عليه . واتفق أن وقع بعد أيام نزاع بين هذا الخادم وخادم آخر هو الفراش « [ خداداو ] خدا داد » على دراهم وعلت أصواتهما ، فازداد غضب « آقا محمد خان » وأمر بقتلهما . فشفع لهما « صادق خان شقاقي » وأجل قتلهما إلى اليوم التالي ، كما مر . وذكر « السرجان ملكم » نقلا عن بعض المقربين إلى « آقا محمد خان » أن سبب أمره بقتل الخادمين هو اختلال في عقله اعتراه في أيامه الأخيرة . فكانت تصدر منه أعمال تدل على الجنون . . ومنها هذا العمل . وانتهى الأمر إلى أن تواطأ هذان الخادمان وخادم آخر مازندراني اسمه « عباس علي » على قتله ، وقتلوه . وذكر بعضهم أن محرضهم على القتل هو « صادق خان شقاقي » نفسه . ولذلك بادر إليه المتأمرون بعد أن قتلوا « آقا محمد خان » وحملوا إليه جواهره واحتموا به . ثم لم يلبث أن نهض في أذربيجان يطلب الملك لنفسه . ودفن « آقا محمد خان » في « شوشي » . فلما تملك « فتح علي شاه » أمر بنقل جثمانه من « شوشي » إلى طهران . فاحضر وشيعه « فتح علي شاه » تشييعا حافلا إلى مقام « عبد العظيم الحسني » حيث دفن موقتا . وفي 26 جمادى الأولى سنة 1212 هأرسله إلى النجف حيث دفن قريبا من مقام الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) . وفي شهر ربيع الأول سنة 1212 هاعتقل قتلة « آغا محمد خان » ، وكانوا قد فروا متوارين في المدن ، وجئ بهم إلى « فتح علي شاه » ، فأمر بخلع مفاصلهم ثم إحراقهم ، فأنفذ أمره في الحال . وكان « فتح علي خان » ابن أخي « آقا محمد خان » وليا لعهده ، وقد نازعه الملك أخوه « حسين قلي خان » بعد مقتل عمهما . وكان « محمد خان زند » بن « زكي خان زند » مقيما في البصرة . فلما سمع بمقتل « آقا محمد خان » عاد إلى إيران وذهب إلى أصفهان مطالبا بالعرش لنفسه . ولكن هؤلاء الثلاثة خابوا في مسعاهم ، واستقر ولي العهد على العرش باسم « فتح علي شاه » . آقا محمد قاجار في ليلة من ليالي سنة 1742 م توافق الثاني عشر من شهر ربيع الثاني سنة 1155 هظهر مذنب « هالي » . وخرج كل أبناء طائفة « أشاقة باش » ( 3 ) القاجارية المقيمين في الصحراء التركمانية من الرجال والنساء والأطفال ليلتئذ من مساكنهم إلى الفضاء ينظرون إلى المذنب متطيرين هالعين من ظهوره يتوقعون حدوث الويلات والكوارث لهم من شؤمه ، إلا « جيران » ( 4 ) امرأة رئيس القبيلة « محمد حسن خان قاجار قوانلو » فإنها لزمت بيتها معتكفة تتجنب النظر إلى المذنب إذ كانت حاملا تنتظر الوضع . وهم يعتقدون أن الحامل إذا نظرت إلى المذنب وضعت حملها مذنبا . مولد « آقا محمد خان » في تلك الليلة وضعت « جيران » حملها . وكان صبيا دعي باسم « محمد » . ( 5 ) وهو الذي عرف فيما بعد باسم « آغا محمد خان » وأصبح أول ملوك الأسرة القاجارية . وقد وقع ما كان يحذره أبناء « آشاقة باش » من شؤم المذنب . ففي منتصف تلك الليلة ، ليلة الثالث عشر من ربيع الثاني ، هبطت درجة الحرارة وهطلت أمطار غزيرة استمر هطولها إلى غروب اليوم التالي . فتعالت مياه نهر « أترك » وفروعه ، وطغت على ما يليها من أرض بطوفان كاسح . ولمثل هذا الطوفان سوابق في حياتهم كان الماء فيها يجرف مواشيهم وبيوتهم ويغرق فيه فريق منهم . فيلجئون إلى المرتفعات التماسا للنجاة من الغرق . ورأى « محمد حسن خان » أن يؤمن زوجته وابنه من الخطر فأرسلهما إلى مدينة « أسترآباد » ريثما ينقشع السيل . وكان على « أسترآباد » حاكم من قبل « نادر شاه » اسمه « سبز علي بيك » ، كان في مبدأ أمره أجيرا في دار السقاية في بلاط الشاه « طهماسب » الثاني الصفوي . وهناك عرفه « نادر شاه » في تردده على البلاط يوم كان لا يزال قائدا عسكريا من قواد الشاه « طهماسب » وكان الأجير يبالغ في تملق نادر وإكرامه حتى انعقدت بينهما صداقة قوية . ولما علا أمر نادر ألحق الأجير بخدمته . وبعد تملك « نادر شاه » سنة 1148 ه‍ . عزم في سنة 1149 هعلى قتل « طهماسب شاه » الثاني المخلوع ، وكان مسجونا . فاختار لهذه المهمة

--> ( 1 ) نوع من الشمام المسمى في سورية بالبطيخ الأصفر ، يكثر في إيران . ( 2 ) ليس هذا هو القول الفصل في سبب قتل آقا محمد خان ، وسترد في تضاعيف هذا البحث تفاصيل أخرى . ( 3 ) من انقسامات القاجاريين انقسامهم إلى طائفتين ، طائفة « أشاقة باش » ، ومعناها « المساكن السفلى » وطائفة « يوخاري باش » ، ومعناها « المساكن العليا . وسبب التسمية هو أن قسما منهم سكن في القديم في الناحية السفلى من سواحل نهر » أترك « وسكن قسم آخر في الناحية العليا منها . ( 4 ) « جيران » معناها : الظبية . ( 5 ) ذكر مهدي بامداد إن ولادته كانت في شهر المحرم من تلك السنة .